ابراهيم بن عمر البقاعي
242
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ذلك ، فإنه على تقدير الصدق إنما هو بتوفيق اللّه وهو الذي خلق لكم قدرة الطاعة ، فهو الفاعل في الحقيقة فله المنة عليكم ، قال الأستاذ أبو القاسم القشيري : من لاحظ شيئا من أعماله وأحواله فإن رآها دون نفسه كان شركا ، وإن رآها لنفسه كان مكرا ، فكيف يمن العبد بما هو شرك أو مكر ، والذي يجب عليه قبول المنة كيف يرى لنفسه على غيره منة ، هذا لعمري فضيحة ، والمنة تكدر الصنيعة ، إذا كانت من المخلوقين ، وبالمنة تطيب النعمة إذا كانت من قبل اللّه . ولما نفى عنهم ما هو باطن ، وختم جدالهم سبحانه بهذه الشرطية ، فكان ربما توهم قاصر النظر جامد الفكر عدم العلم بما هو عليه ، أزال ذلك على وجه عام ، وأكده لذلك فقال : إِنَّ اللَّهَ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما يَعْلَمُ أي بطريق ثبوت الصفة وتجريد التعلق واستمراره كلما تجدد محدث أو كان بحيث يتجدد غَيْبَ السَّماواتِ أي كلها وَالْأَرْضِ كذلك . ولما أريد التعميم من غير تقييد بالخافقين أظهر ولم يضمر قوله : وَاللَّهُ أي الذي له الإحاطة بذلك وبغيره مما لا تعلمون بَصِيرٌ أي عالم أتم العلم ظاهرا وباطنا بِما تَعْمَلُونَ * من ظاهر إسلامكم وباطن إيمانكم في الماضي والحاضر والآتي سواء كان ظاهرا أو باطنا سواء كان قد حدث فصار بحيث تعلمونه أنتم أو كان مغروزا في جبلاتكم وهو خفي عنكم - هذا على قراءة الخطاب التفات إليهم لاستنقاذ من توهم منهم هذا التوهم ، وهي أبلغ ، وعلى قراءة ابن كثير بالغيب يكون على الأسلوب الأول مما أمر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بإبلاغه لهم ، فهو سبحانه عالم بمن انطوى ضميره على الإيمان ، ومن هو متكيف بالكفران ، ومن يموت على ما هو عليه ، ومن يتحول حاله بإبعاد عنه أو جذب إليه ، قال القشيري رحمه اللّه تعالى : ومن وقف ههنا تكدر عليه العيش إذ ليس يدري ما غيبه فيه ، وفي المعنى قال : أبكي وهل تدرين ما يبكيني * أبكي حذارا أن تفارقيني وتقطعي حبلي وتهجريني انتهى . وفي ذلك أعظم زجر وترهيب لمن قدم بين يدي اللّه ورسوله ولو أن تقدمه في سره . فإنه لا تهديد أبلغ من إحاطة العلم ، فكأنه قيل : لا تقدموا بين يديه فإن اللّه محيط العلم فهو يعلم سركم وجهركم ، فقد رجع هذا الآخر إلى الأول ، والتف به التفاف الأصل بالموصل .